ابن الجوزي

339

صيد الخاطر

يحصل بقطع القواطع والامتناع عن الشواغل . وما يمكن قطع القواطع جملة ، فينبغي أن يقطع ما يمكن . وما رأيت مشتتا للهم مبددا للقلب مثل شيئين : أحدهما أن تطاع النفس في طلب كل شيء تشتهيه وذلك لا يوقف على حد فيه ، فيذهب الدين والدنيا ولا ينال كل المراد ، مثل أن تكون الهمة في المستحسنات « 1 » أو في جمع المال أو في طلب الرئاسة وبما يشبه هذه الأشياء . فيا له من شتات لا جامع له ، يذهب العمر ولا ينال بعض المراد . والثاني مخالطة الناس خصوصا العوام والمشي في الأسواق فإن الطبع يتقاضى الشهوات وينسى الرحيل عن الدنيا ، ويحب الكسل عن الطاعة والبطالة والغفلة والراحة فيثقل على من ألف مخالطة الناس التشاغل بالعلم أو بالعبادة . ولا يزال يخالطهم حتى تهون عليه الغيبة ، وتضيع الساعات في غير شيء . فمن أراد اجتماع همه فعليه بالعزلة بحيث لا يسمع صوت أحد ، فحينئذ يخلو القلب بمعارفه ولا تجد النفس رفيقا مثل الهوى يذكرها ما تشتهي ، فإذا اضطر إلى المخالطة كان معها على وفاق ، كما تتهوّى « 2 » الضفدع لحظة ثم تعود إلى الماء فهذه طريق السلامة ، فتأمل فوائدها تطب لك . 298 - لا تسبوا الدهر فان اللّه هو الدهر ما رأت عيني مصيبة نزلت بالخلق أعظم من سبهم للزمان وعيبهم للدهر . وقد كان هذا في الجاهلية . ونهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن ذلك فقال : لا تسبوا الدهر فان اللّه هو الدهر . ومعناه أنتم تسبون من فرق شملكم وأمات أهاليكم ، وتنسبونه إلى الدهر ، واللّه تعالى هو الفاعل لذلك . فتعجبت كيف أعلم أهل الأسقام بهذه الحال وهم على ما كان أهل الجاهلية عليه ، ما يتغيرون ، حتى ربما اجتمع الفطناء الأدباء الظراف على زعمهم فلم يكن لهم شغل الا ذم الدهر وربما جعلوا اللّه الدنيا ويقولون فعلت وصنعت حتى رأيت لأبي القاسم الحريري يقول :

--> ( 1 ) يقصد بالمستحسنات كلما قالها النساء الجميلات . ( 2 ) يريد أنها تطلب الهواء .